منشورات الوان عربية

سمر الصالح21said211

في “تغريبة حارس المخيم”؛ الرواية الصادرة حديثاً للكاتب الفلسطيني سعيد الشيخ، كل الطرق تؤدي إلى السرد بحرفية الكتابة الدرامية مهما اقترب النص من التوثيق وأتكأ على مفاصل تاريخية حفرت آثاراً فجائعية في الحياة الفلسطينية.

هي “غربة اخرى” كما يقول الشاعر محمود درويش في إحدى قصائده، يستحضرها سعيد الشيخ في كتابة هي مزيج من الواقع والخيال ضمتها أربعة فصول متلازمة بين السرد الادبي والتاريخي، وعلى مدى زمني يمتد إلى ثلاثين سنة مشحونة بذاكرة من الأهوال التي تعود الى أحداث النكبة الاولى عام 1948. وإن بدأ تاريخ الرواية من عند الاجتياح الاسرائيلي لبيروت عام 1982 الذي أفضى إلى خروج الفدائيين الفلسطينيين من المدينة وركوبهم البحر وما تبعه من أحداث مجزرة “صبرا وشاتيلا” في شهر سبتمبر، فأن التاريخ لن ينتهي إلا عند النهايات العميقة، عند يوم القيامة الذي يشهده “يوسف سعد الدين” بطل الرواية وزوجته أمينة وهما في زيارة لربوع الوطن المغتصب. إذ يشهدا بأم أعينهما كيف دولة الاحتلال تتفسخ بتدخل من السماء. ولكن وحتى ذلك التاريخ الذي يبقيه الكاتب غامضا ومتأرجحاً بحدوثة أو بإحتمالية حدوثه، فإن الرواية تحفل بالشقاء الفلسطيني وتحديات الوجود، وذلك تبعاً لقاعدة لا يشذ عنها الا القلائل من كتّاب الرواية، وهي ان المنجز الروائي لكي يظل حاراً ومؤثراً وجذاباً يجب أن يكون توأم الملحمة لا ينفك عن الهم الانساني وبالخصوص الفجائعي؛ لأنه أكثر رسوخاً في الذاكرة الجمعية. كما ان الرواية تطرح الكثير من الأسئلة التي يثيرها المنفى وتلك التي أثارتها إتفاقيات “اوسلو” ويرددها الشتات الفلسطيني في كل المعمورة عن الهوية والمصير.

الفصل الأول: المجزرة .. نياماً جاءتنا الفؤوس
وكأن الرواية هي حياة ثانية لأبطال تخطاهم الموت؛ وأي حياة؟ يوسف سعد الدين وزوجته أمينة وابنهما عمر وزهرة التي ستصبح ابنتهما بالتبني بعدما انتشلتها أمينة من فم الموت وهي على صدر زوجة أخيها المقتولة، هؤلاء جميعا كُتب مصيرهم على غير مصير الآلاف من أهل المخيّميْن الذين حصدت المجزرة أرواحهم. وليس المهم هنا إن جاء بهم الكاتب من الواقع أو أوجدهم من خياله . المهم في السرد هو الضوء الذي سيُسلّط على حياتهم بعد المجزرة لتصبح الكتابة بمجملها كتابة درامية مكثفة تحمل دلالات عن أهوال لا تنفك عن السيرة الفلسطينية. وبرغم أن مجزرة صبرا وشاتيلا صارت في ذمة التاريخ وتناولها التوثيق من كل جوانبها، الا أن السرد الروائي في هذا الفصل يجعل القارئ أن يمسك أنفاسه وهو يتابع تحرك بطل الرواية بين الجثث الملقاة في الأزقّة الضيقة.
يغوص الكاتب في أدق التفاصيل وإلى أعماق الكائن الانساني المفجوع وهو أمام الهزيمة والخسارة، ويصف ما غفل عنه التوثيق كشرط أساسي يقوم عليه العمل الروائي بإرتباطه بالهمّ الإنساني: “لا لوعة في هذا الكون تضاهي لوعة إمرئ بأمه وأبيه وهما يُذبحان مع إخوته أمام نظره وهو لا يدري أيضا في أي لحظة يأتي عليه الدور. لا أستطيع أن أصف كيف هو الشعور، أحتاج إلى كل لغات الأرض وقد لا تفي في وصف شعور فقدان الوالديْن والاخوة بضربة واحدة وبظروف غير طبيعية. لا أتخيّل جحيماً فوق هذا الكوكب يماثل هذا الجحيم”.(ص.15) وجحيم البطل الذي تمنى الموت بين من ماتوا يجد له الكاتب مبررا لنجاته التي تسعد الأموات في أن لا يندثروا وتندثر قضيتهم مع مواراتهم في المقابر الجماعية. ” كم مقبرة جماعية ايها الجسد، يا جسد الفلسطيني المقطّع .. شريدا تمضي في الحياة واللحد لا يلمّ مماتك كما هيّأك الخالق، كأنك مختبر للوحشية، مسيح العصر؛ من سلالة النور منذورا للشقاء والآلام”.(ص.30)
لا يغلق الكاتب هذا الفصل الا مع حضور بعثة أممية إلى مسرح المذبحة، جاءت تبحث عن ناجين لإخراجهم من الجحيم ولتخفيف الآلام والمخاطر التي لا زالت تحوطهم، فيهاجر بطل الرواية غير مقتنع مع عائلته الصغيرة إلى السويد، ويجسد الشيخ ذلك بمشهد مؤثر في حوار وجداني يدور بين البطل وطيف جده الذي مات في فلسطين أيام النكبة. “قالت الهالة المتدلية من السحابة بصوت عميق وحزين: – أوَليْس هنا صبرا وشاتيلا ؟ – قلت بلى. قالت: أوَليْس هذا هو المخيم؟ قلت: بلى. قالت: إذاً إلى أين تمضي يا يوسف؟”(ص.58)
وكأنه كتب على الفلسطيني أن لا يغادر موته وحصاره الّا عميقا في الشتات والتيه حاملاً وطنه على ظهره.”تحمل على ظهرك وطنك وتجوب الكوكب”(ص.30)

الفصل الثاني: أيها الثلج، كيف الشقاء في بياضك؟
في هذا الفصل يقترب السرد من الكتابة التسجيلية بعدما تخفت أصوات الدراما التي رافقت فصل المجزرة، هنا يسجل الكاتب بدايات نشوء الوجود العربي في السويد خلال ثمانينات القرن الماضي. الحفاوة السويدية تجعل بطل الرواية مع زوجته يشعران بأنهما قد انتقلا إلى عالم مختلف عن العالم الذي غادروه. كانا يحتاجان إلى كثير من الوقت ليفهما البوْن الشاسع ما بين أدوات المجزرة التي عبثت بجسديهما وروحيهما وبين الادوات الطبية بأيدي الأطباء السويديين التي راحت ترمم روحيهما من ندوب المجزرة. وليقررا أن الانسانية لم تغادر الكوكب بعد. ” بشاشة الاطباء والممرضات؛ لمساتهم الحانية، وحدها كانت بالنسبة لنا بلسم يرد لأرواحنا إنسانيتها التي طُحنت في المجزرة، مما جعل أمينة تقول بعدما عدنا إلى الشقة: انظر كيف يهتمون بنا. وتبكي”.(ص.68)
أحداث كثيرة يشهدها هذا الفصل، وذلك نظرا لمرور سنوات عديدة على وجود العائلة في منفاها السويدي. وكان على العائلة أن تواجه تحديات كثيرة في الصقيع السويدي إن بدأت من الإختلاف الثقافي فأنها لن تنتهي عند سؤال الهوية وسؤال الوجود برمّته ” هل من وجود طبيعي خارج وطن الأجداد؟ وهل من وطن طبيعي خارج اللغة؟ “(ص.124) .. كانت العائلة وكلما انخرطت أكثر في المجتمع السويدي تشعر إن شيئاً ينقص من ذاتها، حتى عندما حصلت العائلة على الجنسية السويدية في وقت كانت فيه السلطة الفلسطينية تبني مؤسساتها على أجزاء من الوطن المغتصب حسب اتفاقيات اوسلو التي غبنت الحقوق الفلسطينية حسب بطل الرواية مما جعله أن يشعر بالقلق على مكوّنه وكينونته ويطلق سؤاله الذي يشبه الصرخة في ليل الشتات:”هل يصير سياج الوطن أعلى من سياج الإحتلال؟ وهل تصير هذه السلطة الناشئة مقبرة تضم رفات أحلام الفلسطيني بالحرية وتقرير المصير؟”.(ص.124)
يصير الشقاء في حياة العائلة هنا مضاعفاً، فندوب المجزرة لا تنمحي سريعاً، وشروط الاندماج التي تضعها الحكومة السويدية لا تتوفر لدي افراد ما زالت ذاكرتهم تحمل أهوال الاقتلاع وأهوال الحروب التي لاحقتهم إلى المخيم، وفي أعماقهم يشعرون بأن المخيم مازال يشكل شخصيتهم وهويتهم. والقول هنا لبطل الرواية الذي يروي الكاتب على لسانه :” ما معنى أن أكون هنا وسط هذه القيمة الانسانية التي يمنحني إياها القانون السويدي، وجذوري هناك تجتث وترسل إلى المحرقة كي تتم الابادة التي رسمت لنا منذ قرن من الزمن”.(ص.124)
تكبر التحديات مع مرور السنين، ومع تكاثر عدد أفراد العائلة ودخول الوالدان سن الشيخوخة وفقدانهم السيطرة على بعض الأبناء ممّن ولدوا في السويد. وكأن ما أنتج في السويد هو للسويد. حيث يثير الكاتب هنا خلاصة مفادها أن الحماية الدولية للاجئين هي مصلحة للمجتمعات التي تحتضنهم .. وهذا ما يحدث تماما في وقتنا الراهن مع لاجئين آخرين.

الفصل الثالث: الهاوية … حين اشتعال النيران في الثياب!
“منى وبلال” هما ابناء يوسف وأمينة اللذان ولدا في السويد، وهما أيضا أبناء الواقع الذي فرض نفسه بقوة وترك تأثيرا على السلوك والطباع.
منى تبدو واثقة من خياراتها؛ وهي بذلك على عكس بلال الذي يبدو متردداً وتائها. وهي ذكية فوق العادة متفوقة في دروسها وناجحة في علاقاتها الاجتماعية. بنَت شخصيتها على النمط السويدي بالرغم من كل الحنو، والاحتضان العائلي من الوالدين اللذان حاولا أن يزرعا بالأبناء العادات والتقاليد الشرقية. وهذا لم يمنعها من التصرف تجاه أبيها كما تتصرف أي فتاة سويدية حين يقع الخلاف. ” هل هذه ابنتي؟ كيف تكون ابنتي وهي انكسار ظهري وانكسار عنفواني؟ ترسلني وأنا في الستين من العمر إلى السجن بتهمة إساءة معاملتها”.(ص.188) وقاع الهاوية الذي يهز العائلة يتجسد حين تترك منى منزل ذويها لتصبح حرة من كل ماضيها وفي كنف المجتمع السويدي الذي يشد من أزرها.
تتوالى الضربات في حياة العائلة، وتأتي الضربة الثانية من آخر العنقود “بلال” .. فبعد أن عاش تائها بين الثقافتين العربية والسويدية ومراهقة متهتّكة، فجأة يهتدي إلى طريق المصلّيات في المدينة، وهناك تتلقفه “الذئاب” وترسله إلى سوريا للقتال بجانب “داعش”. ” ابنك بلال سعد الدين خرج من السويد إلى بريطانيا، ومن هناك سافر مع آخرين إلى تركيا ولكن وجْهتهم الأخيرة كانت سوريا للالتحاق بمجموعات الجهاديين”…(ص.208). هكذا يتلقى يوسف الخبر من جهاز المخابرات السويدي لتغيم الدنيا في وجهه وتنهار أمينة مغمياً عليها في البيت. وثم تتوالى الايام عليهما وهما يتشاركان في الأمراض؛ منها الحقيقي ومنها الوهمي. كان الإنكسار في الروح ومهيمناً على الشعور.
كان لبطل الرواية رأياً آخر في الربيع العربي وقد سجله في مناجاة طويلة مع نفسه حين علم بوجهة ابنه ” يا ولدي هذه نصرة باطلة و”داعشية” متوحشة كاذبة. النصرة الحقيقية لا تكون الا للقدس المغتصبة، وفلسطين هي أول الحرية وهي يقين الكرامة العربية، فلا كرامة ولا حرية لعربي من دون تحرير فلسطين”(ص.208).

الفصل الرابع: انتفاضة الأطياف.. حين مشينا إلى الشعاع
” ها هو الوطن يا يوسف، إلى الشرق تنام طفولتك المسفوحة في “صفورية” الممحوّة، ومنذ الآن عليك ان تكتشف تغييرات روحك لتكتشف ماهيّة الوطن”.(ص.218).
كان يوسف يدري حينما اصطحب زوجته أمينة التي باتت تعاني من داء المفاصل في زيارة للوطن المغتصب، بأنه يرمّم الروح من حرائق المجزرة ومن انكساراتها المتراكمة في الشتات. كان يريد للظهر المنحني أن يستقيم بإسناده على اشجار الطفولة في قريته التي محاها الاحتلال. ولينال شيئا من الغبطة بلقاء أبناء عموميته الباقين في البلاد؛ وليغادره الشعور الذي رافقه طيلة عمره بأنه مقطوع من شجرة.
في مكان القرية لم يُبقِ الاحتلال الا قلعة من الزمن البيزنطي ومقبرة “الأشراف” التي تحتضن رفاة أهل البلد، يصادف في يوم زيارة أطلال القرية ان تزحف بلدوزورات الاحتلال إلى داخل المقبرة لإزالة قبورها في عملية بحث عن الآثار. “فجأة، هبطت على المكان غيمة سوداء كست الأجواء بظلمة دامسة، حتى ما عدنا نرى شيئاً”…” عند انقشاع الظلمة انكشف لنا المكان عن بياض يغمر كل الوجود حولنا،كنا نحتاج لبعض الوقت لنسترد حاسة البصر. اخيراً استطعنا رؤية الجرّافات وقد تحولت إلى حطام وخردة مرمية” (ص.261)
هنا يجعل الكاتب الحكاية تتأرجح بين الواقعي والتخييلي، ويجعل المكان يتوحد في الزمان. بين الحدث واحتمالية حدوثة فاسحاً للغرائب السحرية أن تفرض نفسها على مشهدية السرد.” يأخدنا البياض فننزل من شرفة القلعة ونجد نفسينا وسطه، يلفنا ونصير جزءا منه. أمينة لا تفلت ذراعي، وقد بدأنا نشعر بأننا نمشي بين أطياف قامت للتو من موتها لتدافع عن تربتها وقبورها” (ص.261)
هنا تبدو تقنيات الكتابة السينمائية عالية الصوت في السرد، وتبعاً للنهايات التقليدية في انتصار الخير على الشر يطلق سعيد الشيخ نبوءته في زوال الاحتلال المتمثل في الشر والكراهية ” ثمة ملائكة في السماء ترسل فيروساً اليكترونياً يخترق آلة القتل وينزل بها فتكاً. ثمة عقاب تنزله محاكم السماء على قوم تجبّروا وسفحوا دماء الآخرين”(ص.263).

خاتمة
ان مجيء سعيد الشيخ من عالم القصيدة والقصة القصيرة، لم يحعله مرتبكاً وهو يدخل عالم الرواية، ويبدو في روايته الأولى متمرّساً وعلى معرفة تامة بالأمكنة التي يقصدها، ذو دراية في تفكيك محنة شخصياته التي يأتي بها لتكون معبرة عن آرائه وأفكاره. وهو يكتب بدمع العين حيث لا يُخفى انحيازه الواضح إلى أبطاله وهم يسمون في عذاباتهم، وقد خصص لهذه العذابات لغة شعرية جعلت السرد أن يرتقي إلى حالة من التوهج.
صدرت الرواية عن “منشورات الوان عربية” بالسويد، وتقع في 268 صفحة من القطع المتوسط، وهي العمل الروائي الأول لسعيد الشيخ بعد عدة كتب أصدرها في مسيرته الأدبية توزعت بين الشعر والقصة القصيرة.
“تغريبة حارس المخيم” رواية مميزة، لا يمكن إغفالها عند الحديث عن المنجز الروائي الفلسطيني. وبهذا المعنى هي جديرة بالقراءة وتحتاج إلى مزيد من الدراسة والتقييم.

Categories: روايات وقصص

Comments are closed.